لو كان القرضاوي من أتباع أبن تيمية ( شيخ الإسلام ) لما خاض هذا الخوض في التحليلات والأحكام السافرة، وفسر الصراع الدائر حسب قناعة شخصية، تكمن بين علم الكلام المعتزلي والسلفيين والأشاعرة، ظن بأنه تجاوز المجاز بمنطقه وحكمه، لكنه تاه في خفايا المطلق. للأسف لقد أبحر في بحور أعمق من بحور المجاز نفسه، وهو العالم بأن الكثيرين من الذين أدعوا الولاية نفوا وينفون أن يكون في القرآن مجاز، بل المجاز في كلام
العرب، ولقد أختلف الشيخ وتخالف في أحكام القرآن وهو يحاول بناء حكمه على المجاز بحكم مطلق. أعجز المجاز وقيد المطلق بالحكم السياسي هذه فأفسد. كان على الشيخ القرضاوي كعالم أسلامي ومتبحر، أن لا ينجرف وراء الخدع السياسية ، وأن يجتهد وبعمق بالنصوص من الآيات والأحاديث الصحيحة عن النبي (ص) قبل حكمه المغرض، ليتبين مركزه من بين المجموعة الذين يرأسهم كعالم فيفرق بين البدعة والابتداع على الأقل في الدين وحده، ولا ينجرف إلى أوساخ السياسة فيصبح ولياً تابعاً للقوى الدنيوية، بل كان عليه أن يبقى مرشداً من الله يخدم الإسلام كدين لا كسياسة، ألم يحن لمشايخ الدين أن يدركوا بأن السياسة أجمل مكان للأبالسة، عليهم الابتعاد عنه، إلا إذا كان لهم لذة في هذه المجالس.
هل يا ترى يعلم الشيخ بذلك لكن نفسه تنشرح في هذه المجالس الموبوءة؟. كان الأحق بالشيخ الابتعاد عن هذه الأوبئة كرئيس أعلى للمجلس الإسلامي، وأن يلتزم مبدأ الإيمان بالعدالة الإلهية، بطريق سليم، طريق التحقيق التي علمنا إياها النبي محمد (ص) والشيخين الجليلين اللذين اتبعوا والتزموا التقوى حتى كان يأتيهم الله تعالى من لدنه علماً وفرقاناً يفرقون به بين الحق والباطل، وعندها يحق الحكم والفصل.
ألا هل يعلم علماء المسلمين بأنه من الممكن أن نرى الآبالسة في أشكال الأنس؟ كثيراً ما يكون الإبليس في جسم إنسان ويفكر على طريقته، ويتحرك على نهجه، وينطق نطقاً قوي البيان ليقنع البشر، ومن ثم يفضي إلى الغاية التي يبتغيه، ألا وهو تدمير الإنسان، وتشويه الدين، وإخلال المجتمع البشري، ومنها أحكام سريعة قاسية كحكم الشيخ قرضاوي وأتباعه. نزلت الرسالة الخالدة على النبي محمد (ص)، ولا أحد من بعده، كل من اجتهد في الدين بسوية خيره، ويدخل في خدمة الإنسان لتعريفه بدينه وتوسيع مداركه في شرائعها، فبها يتقرب الإنسان إلى ربه، ولا يحتاج الفرد وساطة ومساعدة ليلتقي بربه ويتقرب إليه خاشعاً.
رفض قريش والأعراب من بعدهم الاعتراف بالوحي والرسالة التي حملت إلى النبي (ص) عن طريق جبريل، لكن المؤمنين به وبها تكاثروا، ولم يدعِ أي منهم الثنائية في النبوة، أو أنهم قالوا بأن بعض الوحي نزل على محمد(ص) وبعضها على أحد من أصحابه. الرسالة واحدة، والفكرة واحدة، والقرآن واحد، والشريعة المنزلة على العباد، من الله، واحدة، لكن أن يظهر بين حين وآخر منذ وفاة الرسول (ص) إلى يومنا هذا ولياً من هنا وآخر من هناك يشرِّع حسب أهوائه أو أهواء طغاته، ويأتي الآخر وينفيه ويشرع ثانية! أليست هذه حكم وخدع الأبالسة في تشويه الدين وهدم المجتمع، وضرب الإنس بعضه ببعض، لماذا يقوم هؤلاء المشايخ دعاة الولاية بتشويه معتقدات الآخرين وإحكام حكم جائرة فاسدة وإفتاء فتاوى مقرفة ذات منطلقات سياسية خبيثة واضحة وينشرونها تحت غطاء الدين وحججه!؟ أليس ذلك لأن غايتهم أبعد من تهديم الفرد أو مجتمع صغير، بل الغاية تشويه معتقدات المجتمع بأسره وضرب الأديان والشعوب بعضها ببعض، وكأنها ليست رسالات سماوية ونزلت آيات قرآنية بها.
القرآن شريعته وحكمته، والبعض يؤمن بأن الأحاديث سنة أوشرع ومنهم من يرفض. لكن أن يتناوب كل من درس شرائع الدين بالجلوس على كرسي الخلافة، والتي بنيت لغايات سياسية بعيدة عن التحكم في العلاقة بين العبد وربه، ومن ثم يأتي هؤلاء يشرِّعون ويحكمون كأنبياء الله على الأرض من بعد محمد (ص) ويفسرون رغبات الله، ويحللون ويحرمون حسب أهوائهم الإنسانية، يحكمون من سوية وكأنهم أولياء الله على الأرض، والله براء منهم ومن أحكامهم. كل منهم يدعي بأنه خاتم دورة الولاية المحمدية بدءاً من أول الخلفاء الأمويين إلى رئيس المجمع الإسلامي الشيخ القرضاوي والساكت عن الحق القرداغي، مقلداً ضمناً خاتم الأنبياء عند الله، أي منهم ختم الولاية، وأي منهم خاتمها، أم لازالت الأبالسة كثر من على وجه هذه البسيطة، ومعظمهم يتجولون على أرض الأنبياء.
هل يجدد هولاء المشايخ السياسيين المتدينين تاريخ صكوك الغفران لدى البابا، وعلى المسلم أن يحمل صك الغفران منهم، قبل وفاته، ويقدمها إلى الله أثناء ملاقاته يوم القيامة ويقول ياربي هذا هو حسن سلوكي من رئيس علماء المسلمين فأنا بريء، وبها يحكم الله حكمه. ألا والله كفراً مابعده كفر، وتهديم للقيم الدينية وأركان الإسلام، وتشويه لشرائع القرآن، وإلا فكيف ونحن نسمع بين الفينة والفينة فتوى من هذا وأخرى من ذاك وكل يتبع منطق حاكمه السياسي لإرضائه، فتاوى وكأنها وحي من الله لهم، يفتون بها أمورا سها الله إنزالها على نبيه محمد (ص) وها هو ينزلها على ولي أو شبه نبي من بعده، إلا وماذا نفسر فتوى رضاعة الكبير ومصاحبة القاصرة وإجازة صلاة الراقصة بثياب الرقص وهي سافرة والسماح للزوج أو الزوجة في إخفاء الزنى عن بعضهم للإبقاء على شمل العائلة! وغيرها من مئات الفتاوى التي يعجز الفكر الإنساني عن تقبله، لولا إنها فتاوى من فكر الآبالسة في أجسام بشرية.
هل يعقل بأن الله لم يكن يعلم بأن البشرية سوف تتطور والحضارة سوف تختلف عما كان عليه أثناء نزول الوحي، ومع ذلك أحتفظ بالقوانين جامدة كما هي دون أعتبار بما سيأتي من تطورات على الفكر الإنساني وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية، وأحتفظ بقوانين أخرى لم ينزلها على نبيه محمد (ص) لينزلها فيما بعد على مشايخ يدعون الولاية يفتون ويحكمون بها وباسم الله ، والله براء منهم. ولله في خلقه شؤون. الشيخ القرضاوي والساكت عن الحق القرداغي، من العلماء المسلمين الذين لهم الكلمة في العالم الإسلامي، ها هم يستنكرون حقوق الأمة الكردية في الحرية، باستنكار نضالهم واتهامهم بتهم باطلة، ليست للشرائع الدينية فيها دور.
وكأن التاريخ يعيد نفسه، منهم من أتهم هذه الأمة في السابق بالضلال من غير أية بينة، وأفتوا بالحق لصدام عن الأعمال الإجرامية التي قام بها، كالأنفال ودمار جبال كردستان وتسميم حلبجة وغيرها، ومنهم من خرس وصمت وسكت عن تبيان الإبادة الجماعية التي كانت تجرى بحقهم، وها هم يسكتون عما يجري في زنزانات طغاة سوريا، والساكت عن الحق إبليس أخرس.
نطق هذا الشيخ بحكم دون أن يكلف نفسه في الإطلاع على تاريخ هذه الأمة ونضالها وأسباب صراعهم، ولم يبحث فيها، بل أمليت عليه، وذلك واضح وجلي من خلال ما نسب إليهم من الشرور بحكمه ذاك، لقد جار وأخطأ في الحكم الشيخ القرضاوي وهو يطلقها بدون تمحيص ولا تدقيق على أحقية حكمه، والتي لا تتفق وأحكام القرآن وسنن النبي من شرائع الإسلام قيد أنملة، انطلى هذا الحكم على أتباعه المقلدين الواثقين بشيخهم واعتبروه من الحقائق المسلمة وذلك إرضاءً ومصاهرة لخدع أبالسة السياسة، وربما لمصلحة ذاتية متدنية.
فوالله لو أكتشف مشايخ المجمع الإسلامي وعلى رأسهم القرضاوي الكرد، وأبحروا في قضاياهم، واضطلعوا على مآسيهم، ودرسوا متطلباتهم، وكان سنة الله ورسوله مبدأً لهم، قبل انجرافهم مع رغبات رجال السياسة الطورانية، لما هاجموهم واتهموهم وأحكموا عليهم بتلك الأحكام الجائرة، ولكانوا بلا شك من المدافعين عن هذه الأمة والناصرين لها في الخلاص من مآسيها. لكن وللأسف لقد أبحر الرئيس الأعلى للمجلس الإسلامي في بحورٍ الجهالة والضلال، وكان حكماً بعيداً عن العدل والإنصاف، أنجرف وراء الطغاة والمخادعين.
قد يكون أردوغان ومن من حوله مؤمنون في القلب، لكنهم بلا شك عابثون بالدين والآخرة في أفعالهم وأعمالهم وهم يهامون أو ينجرفون، وربما رغبة، وراء طغاة الفكر الطوراني الذين ليست للأخوة والإنسانية مكاناً لديهم، وتاريخهم يشهد على ذلك، فبأي آلاء ربه اتبعهم هذا الشيخ وحكم حكمه، شرائع الإسلام براء من حكمه. فوالله بعد هذا الحكم الذي لم يبنَ على أي نص من نصوص القرآن، ولا على سنة من أحاديث محمد (ص)، بل بني على حكم أبالسة السياسة الأوربية والأمريكية وبضغوط من جنرالات الفكر الطوراني، اللذين لا علاقة لهم بالدين الحنيف، واتبعهم الشيخ ناسياً أو متناسياً شريعة الله، يعتبر الشك في كفره (القرضاوي) ومجاليسه أثناءها كفر، والكافر في النار، إلا بعد التوبة ودخول الإسلام والإيمان بالله من جديد، تشويه حكم الله وتحريف معاني القرآن عن سابق قصد وتصميم لغاية في نفس القرضاوي ومن أجل مصلحة شيطانية ذاتية دنيوية، أو غايات سياسية موبوأة كفر لا بعده كفر.
الدكتور محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته
|