كتبت مرات عديدة عن أهمية عقد مؤتمر وطني للحراك الكردي السوري، على غرار المؤتمر الوطني الأوّل في عام 1970، الذي تمّ انجازه برعاية قائد الثورة الكردية الكبرى، البارزاني مصطفى الخالد، رغم الظروف الصعبة والخانقة التي كانت تحيط بإقليم جنوب كردستان
آنذاك، وكم كانت فرحتنا عظيمة بانعقاد المؤتمر الوطني الكردستاني – سوريا قبل أعوام قلائل في بلجيكا، والذي تمخّض عنه المجلس الوطني الكردستاني – سوريا، رغم مقاطعة أحزاب كردية له لأسباب تتعلّق بظروفها الذاتية والموضوعية، وحضور بعضها ك"ضيوف!" وكأن لا علاقة لهم بكل ما يحدث، في حين عملت بعض الأحزاب على نسفه عملياً، ومنها من شارك متردداً، أو انسحب منه بعد أن سارت الأمور في المؤتمر بخلاف ما كان يتمناه...
والذي جمع بين المؤتمرين السابقين، رغم اختلاف الاطار الزمني والمكاني لهما، هو أن المؤتمرين لم يتطرّقا أبداً إلى موضوع "مرجعية" مأمولة، فالمؤتمران وجدا أنفسهما كأعلى سلطة مدنية في الحراك السياسي للشعب الكردي "السوري"، والمؤتمرات هي في الحقيقة أعلى سلطة تخضع لها كل الهيئات المنتخبة أو المعيّنة من قبل بعضها بعضاً...أما نقاط الافتراق بينهما فعديدة، وأوّلها أن المؤتمر الأول كان تحت رعاية كردستانية مباشرة، والثاني كان بتأييد كردستاني ولكن دون تدخّل مباشر في أعمال المؤتمر،
رغم حضور كثيف لممثلي أحزاب كردستانية من مختلف أجزاء كردستان الممزقة المجزأة... وثانيها هو أن المؤتمر الأوّل ضمّ إلى جانب الحزبين الوحيدين على الساحة الكردية – السورية آنذاك، ونعني بذلك شقّي البارتي (بقيادة الأستاذين عبد الحميد حاج درويش وصلاح بدر الدين) في حين عُقِدَ المؤتمر الثاني (الأخير) بناءً على اتفاق مبدئي لعدة أحزاب كردية سورية مسبقاً في اجتماع تم عقده بواشنطن، إلاّ أن بعضها قد تنصل عن توقيعها وتهرّب من المسؤولية بسرعة، ولذا عُقِدَ المؤتمر بدعوة موجهة من مستقلين وطنيين، دعمتها تشكيلة عجيبة وغريبة من أقصى التيار الكردستاني المطالب بتصعيد النضال الكردي السوري،
مروراً بما يسمّون أنفسهم ب"الواقعيين السوريين""، وإلى بعض المدسوسين من قبل عملاء النظام القائم في سوريا نفسه مع الأسف...إلا أن الحضور الكردستاني الواضح، بتأكيده المشجّع، وأجواء الحرية المتوافرة في أوروبا، ساعدا على اتخاذ قرارات جريئة ومأمولة من شعبنا، ولكن قلة خبرة القائمين على ادارة المؤتمر أساءت إليه أيضاً، سواء بعلم أو بدون علم. وتشكّلت هيئة تنفيذية واسعة من بلدان عديدة لمتابعة النشاطات الموكولة بها، إلاّ أن تهرّب بعض الأحزاب من تحملّ المسؤولية التاريخية، ومحاولة بعضهم تسخير المجلس لأهداف خاصة بفئات معينة من شعبنا، قد أناخ الجمل بسرعة...
ولكن تبقى الحقيقة ساطعة، ألا وهي عدم الحديث في ذلك المؤتمر أيضاً عما هو أعلى وأقدس من المؤتمر ذاته، فالمرجعية التي يريدها الشعب الكردي هي التي تتولّد من خلال مقررات المؤتمر، أي هي القيادة التي يفرزها المؤتمر وحده...ولا شيء أعلى من ذلك.
لذا، فإنّ الحديث عن "مرجعية" تفوق المجلس السياسي الكردي (السوري) يبدو لي وكأنه زائد عن اللزوم، ولا أدري لماذا الاصرار على استخدام هكذا مصطلح ديني (أو مذهبي) وتقديسه سياسياً، ولم تأخذ به الحركة السياسية الكردية في أي جزء من أجزاء كردستان في أية مرحلة من مراحل كفاحها التحرري... فالبارزاني القائد لم يكن مرجعية وانما رمزاً كفاحياً، وكان لايعطي الأوامر كمرجعية للحركة الكردية السورية وانما يبدي رأيه كسياسي كردي عريق ذي تجارب عملية كبيرة...
لقد رحبت كمواطن كردي، ذي تجربة سياسية متواضعة، بتأسيس المجلس السياسي الكردي السوري، واعتبرته أهم خطوة إيجابية على الطريق الصحيح صوب الأمام، وآليت على نفسي الدفاع عنه، رغم وجود ملاحظات لي على بعض التفاصيل والشروحات، كالنقد الذي كتبته شخصياً حول "الرؤية المشتركة للمجلس" التي صدرت عن أمانته العامة في الأيام الأولى من هذاالعام الجديد. لذا أرى بأن مؤتمر المجلس المنشود يجب أن يحلّ اشكالية "المرجعية" بلفظها من قاموسه تماما، فما يصدر عن مؤتمر المجلس من مقررات لاتختلف في كثير عن مقررات الأحزاب السياسية الديمقراطية المنضمّة للمجلس، هو "المستند" الوحيد الذي يتمخض عنه النضال الديمقراطي، وكل ما يُقحَمُ عنوة أو دون مبرر عقلاني في نتائج المؤتمر، بذريعة خلق هيئة شبيهة ب"هيئة صون مصلحة النظام في ايران"، ليس إلاّ تراجعاً عن المبادئ الديمقراطية التي تؤمن بها هذه الأحزاب المؤسسة للمجلس، وتنازل عن حقها في أن تصبح المؤسسة الوحيدة التي ناضلت طويلاً ولا تزال تناضل لبنائها ديمقراطيا...
قد يقول قائل: "هناك قوى وتنظيمات خارج المجلس!."
فأجيب: - نعم، وهذا شيء طبيعي في الديموقراطية، فليس كل أحزاب بلد ما تدخل البرلمان، ولكنها تبقى في المعارضة، كما لاتدخل كل أحزاب البرلمان في الحكومة، ومع ذلك تصبح الحكومة شرعية وتقود البلاد، وتبقى الأحزاب الأخرى في المعارضة البرلمانية...
هناك حتى الآن تياران خارج المجلس، إضافة إلى تيار ثالث مرجعيته حتى الآن من خارج البلاد، وقرارته تُخبَز في مخبز غير سوري، لاحاجة للتفصيل في شأنه هنا:
- تيار كردستاني يؤمن بضم نقاط تراها ضرورية من مناهج فصائله إلى برنامج أو منهاج المجلس لتنضمّ إليه، وبخاصة فإنّ مسؤولاً إعلامياً لأحد أحزاب المجلس قد ذكر البارحة في إحدى غرف البلتوك بأن مرحلة (هذا عقلاني واقعي وذاك متطرّف) قد انتهت، وأنّ حزبه لا يضع الفيتو على من يتبنّى مشروعاً أشد حدة تجاه النظام أو أعلى سقفاً في المطالب القومية من حزبه...وهذا يثير التفاؤل رغم أنني أشك في تحقيق هذا من الناحية العملية لأسباب عديدة.
- تيار وطني سوري لا يريد التمسّك بالناحية القومية من القضية الكردية كما يبدو، ويسعى للتحوّل إلى تيار سياسي سوري (وطني ديمقراطي) لا تكون فيه القضية الكردية اللاعب الأوّل...
ومن هذا التيار تأتي فكرة "المرجعية" أصلاً، رغم أن شخوصه التاريخيين وقادته الجدد، هم أبعد الناس عن الاقتراب من المصطلحات الدينية أو المذهبية كالمرجعية...
والسؤال عن ماهية هذه المرجعية التي دار الحديث عنها عدة سنوات ماضية يثير أجوبة متضاربة ومختلفة... فهل هذه المرجعية نصوص أم أشخاص، أم أشخاص أقوالهم نصوص مقدسة؟ ماهي آليات إنشاء هكذا مرجعية فوقية؟ ما الشروط التي يجب توافرها في انتقاء (اختيار) أو انتخاب لآيات الديمقراطية كآيات الله إلى المرجعية؟ وما هي صلاحيات هذه المرجعية؟ هل ستكون بمثابة فتاوى غير ملزمة؟ أم أنها ستكون إلزامات كالمقررات الصادرة عن مؤتمر حزبي ديمقراطي؟
أنا ككردي تهمه مصلحة شعبه أولاً، ومصلحة حركته السياسية ثانياً، أعتبر السعي في الاتجاه صوب ابتكار "مرجعية" هو تنازل صريح عن حق المجلس السياسي وخرق صارخ لمبادئ الديمقراطية التي يقر في ظلها مؤتمر ديمقراطي مقرراته الملزمة للأحزاب المنتمية إلى المجلس.
تبقة نقطة أخيرة، ألا وهي موضوع ضمّ الوطنيين المستقلين (الشخصيات الوطنية!) إلى العمل السياسي...فأقول:
"إذا كنت أرغب في العمل السياسي فلا بدّ أن أجد حزباً من الأحزاب الكردية السورية، الكثيرة بحمد الله وعونه، يتلاءم إلى حد ما مع أفكاري ومبادئي ونشاطي أو مطالبي وأحلاميأ و مستواي الثقافي أو مكانتي الاجتماعية وطبقتي، فلماذا أحمّل غيري المسؤولية الناجمة عن العمل التنظيمي وأتهرّب منها بذرائع ثقافية أو لاحباطات نفسية، ثم أطالب بنصيبي من قيادة الشعب والحركة عن طريق التسلل إلى فوق من خلال "مرجعية!"...
ولذا يجب وضع النقاط على الحروف هنا:
يمكن للمجلس السياسي، تفادياً لإهمال آراء وأفكار مفيدة، تشكيل مجلس استشاري من الوطنيين والمثقفين والعاجزين جسدياً أونفسياً والبعيدين جغرافياً، أولئك الذين لا يستطيعون المساهمة المباشرة في النشاطات التنظيمية للمجلس، وهذا المجلس يبدي رأيه إذا استشير من قبل رئاسة (هيئة التنفيذ) للمجلس السياسي المنظّم عملياً، ولكن ما علاقة هذا بما يسعى إليه البعض ك"مرجعية!"...؟
وعليه يجب التفريق تماماً بين القيادة السياسية المشتركة التي تنجم عن مؤتمر يضّم أوسع تحالف سياسي حزبي كردي سوري وبين الدعوات الغامضة أو المغرضة لإطلاق سفينة فضائية حالمة تجوب الكون، نحن في غنى عنها...فالمرجعية كفكرة لا تتناسب والديمقراطية كمبدأ في العمل السياسي.
|